مرزوق الغانم، من عالم التجارة إلى رئاسة برلمان الكويت

فاز مرزوق علي الغانم برئاسة مجلس الأمة (البرلمان) الكويتي للمرة الثانية على التوالي، ليعزز سجله كأصغر رئيس للمجلس، الذي تأسس عام 1962.

ورغم أن المجلس السابق، الذي رأسه الغانم لأول مرة وحُل في شهر أكتوبر /تشرين الأول الماضي، تعرض لانتقادات شديدة، ووصف بأنه “أسوأ” مجلس في تاريخ الكويت البرلماني بسبب عدد من التشريعات غير الشعبية، تقدم الغانم في انتخابات الشهر الماضي.

واحتل الغانم، 48 عاما، المرتبة الأولى في الدائرة الثانية خلال الانتخابات البرلمانية، ليقطع الطريق على معارضيه الساعين لعرقلة حصوله على رئاسة البرلمان الجديد، بسبب دوره في المجلس المنحل.

مهارات سياسية

استطاع الشاب، الحاصل على بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف من جامعة سياتل الأمريكية، أن يمسك بدهاء بدفة المجلس ويحول دون حله لمدة 38 شهرا متصلة، ما جعل هذا المجلس هو ثاني أطول برلمانات الكويت عمرا.

واكتسب الغانم مهارات السياسة والخبرة البرلمانية من بيت عريق في العمل السياسي والبرلماني. فهو ابن شقيق عبد اللطيف ثنيان الغانم، الرئيس المنتخب للمجلس التأسيسي، الذي وضع اللبنات الأولى للنظام البرلماني الديمقراطي والدستور في الكويت، بين عامي 1962و 1963.

ولم يكن تأثير أسرته من جانب والدته عليه أقل. فخاله هو جاسم محمد الخرافي الذي رأس مجلس الأمة 12 عاما متصلة بين 1999و 2011.

أما أمه، فايزة محمد الخرافي، فهي بطلة قصة نجاح نسوية خليجية. فهي أول كويتية تحصل على درجة الدكتوراة في الكيمياء. وفي سن الـ 47 تولت إدارة جامعة الكويت، لتكون أول امرأة تتولى مثل هذا المنصب في العالم العربي.

كما أدرجتها مجلة فوربس الشهيرة قبل 11 سنة ضمن قائمة أكثر 100 امرأة نفوذا وتأثيرا في العالم.

في هذا المناخ، نشأ الشاب الطموح الذي دخل المجلس لأول مرة عام 2006، وكان سنه 38، ولم يفارقه منذ ذلك الحين. وفي عام 2013، كان رئيسا للاتحاد البرلماني العربي.

وعايش الغانم عالم التجارة والأعمال. فأبوه، محمد ثنيان الغانم، رجل أعمال معروف رأس غرفة التجارة والصناعة الكويتية عدة دورات.

وأفاد من دراسته الأكاديمية عندما احترف التجارة، قبل التفرغ للسياسة والعمل العام. ورأس عدة شركات كبرى عملت في البتروكيماويات ومواد البناء والاتصالات.

كما كان رئيسا للشركة المصرية الكويتية القابضة، التي باتت في عهده إمبراطورية تمتد إلى قطاعات الأسمدة الكيماوية والبتروكيماويات والطاقة والتأمين والتصنيع وتكنولوجيا المعلومات والنقل والبنية الأساسية في أنحاء المنطقة.

الاختبار الأصعب

عندما رشح الغانم نفسه في انتخابات مجلس الأمة لأول مرة عام 2006، قال إن المجلس يحتاج دماء جديدة.

وبحماس واضح، نشط في البرلمان. فرأس وشغل عضوية 7 لجان برلمانية، منها لجنة الشباب والرياضة التي رأسها بين عامي 2006 و2008.

وفي عمله في هذه اللجنة، أفاد من خبرته السابقة في إدارة نادي الكويت الرياضي، أقدم وأهم الأندية في البلاد. فنجح في حل الأزمة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” الذي علق في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2007 مشاركة الكويت في كل المبارايات الدولية بسبب “تدخل الحكومة في عمل اتحاد كرة القدم الكويتي”.

وبعد 3 شهور، نجح الغانم في تحقيق التوافق على إصلاحات تستجيب لتوصيات الفيفا. ورفع التجميد وحُلت الأزمة.

وأدار الغانم أزمات سياسية كثيرة بين النواب والحكومة خلال رئاسته لمجلس الأمة المنحل. وبدا واضحا أنه استغل في تسويتها مهاراته كرجل أعمال ناجح.

وكان الاختبار الأصعب في البرلمان السابق هو تمرير “الوثيقة الاقتصادية”. فقد بدا واضحا أن الرأي العام كان رافضا لها لأنها تضمنت تفويضا للحكومة بزيادة الأسعار وخفض الدعم على بعض السلع والخدمات. ومع ذلك، تمكن الغانم من إقناع غالبية النواب بإقرار الوثيقة.

وفي حملته الدعائية قبل الانتخابات الأخيرة، رفع شعار “الحقيقة بلا قيود”. وتخلى فيها أحيانا عن نبرته الهادئة وابتساماته المعروفة التى دأب على أن يواجه بهما الانتقادات والاتهامات القاسية. ودافع بشراسة عن المجلس المنحل. وقال إنه أقر 114 قانونا، ما جعله أكثر البرلمانات إصدارا للتشريعات في تاريخ البلاد. ومنها قوانين حقوق الإنسان، والمناقصات والخصخصة وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

ولأنه يعلم أن ظاهرة الفساد المستشري هي حديث الناس الذين كثيرا ما يشيرون بأصابع الاتهام إلى أسماء بعينها، قال الغانم “تقدمت إلى هيئة مكافحة الفساد وبلغت عن نفسي بناء على من ادعى أني مسؤول عن الفساد”.

وتعهد بأن يواجه “طواغيت الفساد والتدليس والكذب الذين تجمعوا ويريدون شرا بالشعب الكويتي”.

واعتبر أن قانون هيئة الفساد وغيره ربما ينصف المجلس في مواجهة انتقادات حادة لإصداره قوانين أخرى لم يرض عنها الشعب، كما أنه ساهم بدرجة كبيرة في تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد طوال أكثر من 3 سنوات.

تحذير للأخ الرئيس
ويعتبر أنصار الغانم فوزه الكاسح في دائرته، دليلا على الرضا عن أدائه في البرلمان السابق.

غير أن المعارضين يقولون إن من بين أسباب فوزه الخدمات الهائلة التي يقدمها هو وعائلته للناخبين ليس فقط في دائرته ولكن في الدوائر الأخرى، وحاجة الحكومة إلي دهائه وقدرته على إبرام الصفقات والحفاظ على التوازنات في البرلمان الجديد.

ويظل أمام رئاسة الغانم لهذا المجلس اختبار بالغ الصعوبة. فالانتخابات الأخيرة غيرت 60 في المئة من النواب القدامى. وبالتالي فالحكومة تواجه معارضة فعالة، من الإسلاميين والليبراليين والقوميين، الذين يشكلون قرابة نصف المجلس.

وشهدت جلسة اختيار هيئة المجلس بما فيها الرئيس أولى بوادر شراسة هذه المعارضة.

فقد فاز الغانم بأغلبية كاسحة هي 48 صوتا مقابل 9 أصوات لمنافسه الأول عبد الله الرومي و8 أصوات لمنافسه الثاني شعيب المويزري. (إجمالى المصوتين حسب الدستور هم : أعضاء المجلس الـ 50 المنتخبون، وأعضاء الحكومة الـ 15 ).

وفي كلمته بعد الفوز، تعهد بأن يقف “على مسافة واحدة من الجميع من أجل خدمة الكويت والكويتيين”. وحاول تهدئة مشاعر منافسيْه، واصفا الأول بأنه “رمز تعلم منه الكثير.. وأكبر من رئيس”، والثاني بأن “قدره في القلب”.

لم تفلح المبادرة. فتحدث الرومي والمويزري، وغيرهما لاحقا بوضوح عن صفقات وضغوط لمصلحة الغانم شاركت فيها الحكومة، التي يرى البعض أنه رجلها.

_92926849_img_2018

“رجل إطفاء”

وخلال الجلسة، التي بثها التليفزيون الرسمي على الهواء مباشرة، قال الرومي “هذه بداية سيئة جدا من جانب الحكومة”.

وكان المويزري قد استبق الجلسة بالاعتراض على تصويت الحكومة في انتخاب رئيس المجلس. وقال “الجميع يعلم أن للحكومة حقا دستوريا في انتخاب رئيس المجلس، ولكن ينبغي عليها أن تقف محايدة ولا تتدخل في التصويت”.

وفيما يشبه التحذير السياسي للغانم، قال المويزري، مناديا إياه بـ”الأخ الرئيس” بعد التصويت: “النهج الذي نهجته في السنوات الماضية (خلال رئاسة المجلس المنحل) لازم تشيله (تسقطه) من مخك”، في اتهام مبطن بأنه يغلب رغبات الحكومة على مواقف النواب، ممثلي الشعب.

ويأمل الغانم “أن نطوي صفحة الماضي (الخلافات بشأن المجلس السابق والحملة الانتخابية الأخيرة) ونبدأ صفحة جديدة لخدمة هذا الشعب الكريم”.

غير أنه بحكم الدور التاريخي لرئيس مجلس الأمة، يتصدر الغانم الواجهة، ويتحمل المسؤولية الأكبر عن طي الصفحة وفتح أخرى.

ولهذا، فإن كثيرين، ومن بينهم جابر باقر المحلل السياسي المستقل والخبير في شؤون الانتخابات الكويتية، ينصحونه بأن يتحلى بسمات “رجل الإطفاء”، كما كان يوصف خاله، رئيس مجلس الأمة السابق جاسم الخرافي، في إدارة الأزمات، وما أكثرها، بين النواب والحكومة.