هزيمة ألمانيا وتعادل البرازيل والأرجنتين يقلبان المعادلات

كيف يمكن قراءة النتائج اللافتة لمنتخبات  المكسيك وسويسرا وأيسلندا أمام الكبار ألمانيا والبرازيل والأرجنتين في انطلاق مونديال روسيا 2018؟

خسارة مستحقّة لألمانيا أمام المكسيك (أ ف ب)

لم يتوقّع أحد طبعاً بداية كالتي حصلت لثلاثة مرشّحين على اللقب هم البطل الحالي ألمانيا والبطل التاريخي البرازيل والبطل مرتين الأرجنتين. لكن ما حصل قبل المونديال أن كل الأحاديث والتحليلات والتوقّعات كانت تتركّز على هذه المنتخبات الكبيرة وأفضليتها. نسيَ الجميع المنتخبات التي واجهتها أي المكسيك وسويسرا وأيسلندا وما يمكن أن تقدّمه. بالمنظار الكروي كان الاعتقاد السائد بأن هذه المنتخبات الأخيرة متوسّطة المستوى، أو ربما أقل، ولا يمكن أن تقلب المعادلات أمام كبار قادمين بكل عتادهم. لكن ما حصل على أرض الملعب أن هذه المنتخبات “الصغيرة” فعلت ذلك. فعلته عن استحقاق. بدأ ذلك باقتناص الأيسلنديين التعادل أمام الأرجنتين 1-1. يمكن القول أن هذا التعادل أعطى الدافع للمنتخبات الأخرى للإيمان بحظوظها أمام الكبار وهذا ما ارتفع منسوبه أيضاً بالفوز الصعب لمرشّح آخر هو فرنسا على أستراليا 2-1، وصولاً إلى الزلزال الكبير بالفوز التاريخي للمكسيك على ألمانيا 1-0 ليتبعه التعادل السويسري أمام البرازيل 1-1.

مجدّداً، ما حصل لم يكن عن عَبث أو ضربة حظ. لنعد قليلاً إلى الوراء. إلى قبل أيام من انطلاق المونديال. كان لافتاً تصريح قائد أيسلندا آرون غونارسون بأن منتخب بلاده لا يخشى نجم “ألبيسيليستي” ليونيل ميسي. تحدّث اللاعب الأيسلندي بثقة كبيرة غير آبه بنجومية “ليو” وقوّة الأرجنتين. لكنه تكلّم وفعل، إذ إن الأيسلنديين عطّلوا فاعلية ميسي.

المكسيكيون لم يواجهوا ميسي وحده، بل بطل العالم ألمانيا المعروف بلعبه التكتيكي والجماعي والانضباطي العالي وقوّة شخصيته. أسقطوه. لاعبو “إل تري” دخلوا المباراة مُتحرّرين من رهبة مواجهة بطل العالم وإسم كبير في تاريخ المونديال مثل “المانشافت”. أتعبوه. كان الفوز صاعقاً. تاريخياً للمكسيكيين. كان المرة الأولى التي لا يحقّق فيها الألمان الفوز في مباراتهم الافتتاحية منذ مونديال 1990 وقد سجّلوا منذ ذلك التاريخ حتى 2014 مجموع 27 هدفاً. لكن بالأمس لم يسجّلوا ولو هدفاً واحداً.

لاحقاً دخل السويسريون مباراتهم أمام البرازيليين ونجمهم العائد نيمار وفي ذهنهم بالتأكيد الفوز المكسيكي قبل ساعة. تأخّروا بالنتيجة، لكنهم لم يستسلموا أيضاً أمام قوّة “السيليساو” وتاريخه. لعبوا الندّ للند. عدّلوا النتيجة وخيّبوا آمال البرازيليين.

فلنعد إلى مشاهد المباريات الثلاث مجدّداً. نعم منتخبات الأرجنتين وألمانيا والبرازيل قامت بضغط هجومي كبير في الشوط الثاني عندما بدأت تشعر بالخطر ولاحت أمامها فُرَص خطيرة بالجملة. هذا طبيعي، وهذا، أيضاً، لا ينتقص من جدارة أيسلندا والمكسيك وسويسرا. إذ إن هذه المنتخبات الأخيرة تلعب على إمكانياتها المحدودة نظراً للفوارق الشاسعة مع الكبار. رهانها لعبها الجماعي وامتلاكها الروحية العالية والقتالية. تتموضع في منطقتها بعشرة لاعبين وتكفيها الهجمات المرتدّة أو الكرات الثابتة للتسجيل، وهذا ينافي طبعاً أصول الكرة الجميلة، لكن نحن نحكي هنا عن المونديال، عن منتخبات “صغيرة”، عن أهمية النتيجة قبل الأداء، عن الإمكانات، عن مواجهتها الكبار.

طبعاً فإن نتائج أيسلندا وسويسرا وتحديداً المكسيك ستعطي دافعاً إضافياً لمنتخبات من مستواها. هذا حصل قبلاً في زمن قريب كي لا نعود إلى الماضي كما في وصول كوستاريكا إلى ربع نهائي مونديال 2014 أو وصول أيسلندا المغمورة نفسها إلى ربع نهائي “يورو 2016” بعد فوزها التاريخي على إنكلترا أو ويلز في البطولة ذاتها إلى نصف النهائي، أو حتى تخطّي السويد إيطاليا في الملحق المؤهّل إلى هذا المونديال.

من المُبالغ أو فلنقل من المُبكر القول أن هناك خطراً على المنتخبات الكبرى بعد هذه المفاجآت الأولى. لا زلنا في البداية، والكبار قادرون على العودة سريعاً في بطولة كالمونديال لها أساتذتها تاريخياً. في المباراة الافتتاحية لمونديال 1990 خسرت “أرجنتين مارادونا” البطلة في 1986 أمام الكاميرون لكنها عادت ووصلت إلى النهائي. لكن هذا لا يمنع من أننا قد نكون أمام مغامرة جديدة كمغامرة كوستاريكا في 2014. ليس أبعد من ذلك طبعاً. ليس مثل تتويج اليونان بلقب كأس أوروبا 2004 مثلاً.