النهار : ملف التجنيس مجدَّداً: صادم ومخالف للدستور

كتبت صحيفة “النهار ” تقول : يبدو واضحاً ان ملف مرسوم التجنيس مرشح للتفاعل وهو لم يقفل بعد على رغم احالته على المديرية العامة للأمن ‏العام للتدقيق فيه، والاتفاق المبدئي على شطب الأسماء غير المستحقة للجنسية اللبنانية‎.‎
وتظهر مراجعة أولية للأسماء أن كثيرين تحوم حولهم شبهات مالية وتجارية، وأن بعضهم ملاحق بجرائم مالية ‏عكس ما أعلنه وزير الداخلية نهاد المشنوق من أن عملية درس الأسماء التي شارك فيها الانتربول، الى مؤسسات ‏أمنية لبنانية، أظهرت عدم وجود أي شوائب متعلقة بالمجنسين الجدد‎.‎

وفي معرض دفاع نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي عن الرئيس ميشال عون في هذا الملف، اتهم وزير ‏الداخلية بالتلاعب بالاسماء، قائلاً: “لرئيس الجمهورية حق مطلق دستوري ان يصدر مرسوماً لتجنيس لبنانيين، ‏والذي حصل ان الرئيس طلب من وزير الداخلية هذه الأسماء واعداد مرسوم لهذه الغاية وارساله الى الرئاسة ‏الأولى لانتاج مرسوم تجنيس، والاسماء معظمها واضح، فيرجع المرسوم من عند وزير الداخلية ورئيس مجلس ‏الوزراء ويصل الى رئيس البلاد. ومنطق الامور يقول ان وزير الداخلية المسؤول عن الأجهزة الأمنية يفترض ان ‏يرسل الأسماء الى شعبة التجنيس في الأمن العام. هذه الاسماء تبين للرئيس انها غير تلك التي أرسلها فردها الى ‏الأمن العام للتثبت والتحقق من الأسماء التي بعث بها وتلك التي أضيفت من وزير الداخلية ودولة الرئيس‎”.‎

واذا كانت عملية الاعتراض تحوّلت معزوفة شيعية بأدوات متعددة المذهب، فإن الاعتراض الماروني – المسيحي ‏بلغ ذورته أمس مع قول البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إنه “فيما كان الشعب اللبناني ‏ينتظر بأمل ولادة حكومة جديدة تكون على مستوى التحديات والانتظارات والوعود، إذ بالسلطة تصدمه بمشكلة ‏في غير محلها، بإصدار مرسوم تجنيس مجموعة من الأجانب من غير المتحدرين من أصل لبناني، وهو مخالف ‏للدستور في مقدمته التي تنص بشكل قاطع وواضح: “لا تقسيم ولا توطين”. فالتوطين هو منح الجنسية لأي ‏شخص غريب لا يتحدر من أصل لبناني”. وتساءل: “كيف يمكن قبول ذلك، وفي وزارتي الخارجية والداخلية ‏ألوف مكدسة من ملفات خاصة بطالبي الجنسية وهم لبنانيو الأصل، وهل يعقل أن يظل القانون الصادر عام ‏‏1925 في زمن الانتداب الفرنسي، وقبل عشرين عاماً من الميثاق الوطني والاستقلال التام، الأساس لمنح الجنسية ‏اللبنانية؟‎”.‎

وعدم الرضى “الشيعي” عن المرسوم الذي دفع الرئيس نبيه بري الى أن يكرر أمام ضيوفه “أن أحداً لم يحدثه في ‏مرسوم التجنيس قبل إصداره”، حمل وزير المال علي حسن خليل، وهو المعاون السياسي للرئيس بري، على ‏التغريد مساء السبت بالآتي: “لم نتحدث في السابق بخصوص مرسوم التجنيس، أما وباب التعديل للمرسوم قد فتح. ‏فنحن اليوم نطالب بحق الفقراء في الحصول على الجنسية وحق أبناء وادي خالد والقرى السبع، وحق أبناء ‏اللبنانيات المتزوجات من أجانب بالحصول على الجنسية اللبنانية”. وفي المعلومات أن ثمة نحو 3000 من أبناء ‏القرى السبع جهّزوا ملفاتهم لاستعادة الجنسية‎.‎

وأبلغ مصدر مطلع “النهار” أنه على رغم العدد الكبير من السوريين القريبين من النظام الذي دخل في عداد ‏المجنسين، الا أن الثنائي الشيعي يرى في مضمون المرسوم أموراً تدفع الى التصدي له‎:‎

‎- ‎أولاً: أنه أعد من دون استشارة الثنائي الشيعي وباتفاق بين الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل أي ‏الثنائي الماروني – السني الذي كان أشار اليه الرئيس بري قبل نحو سنة وحذّر منه‎.‎

‎- ‎ثانياً: إن المرسوم لم يخضع لمراجعة المديرية العامة للأمن العام، بل أرسل الى شعبة المعلومات في المديرية ‏العامة للأمن الداخلي، خوفاً من تسربه الى الثنائي الشيعي الذي يرى أن الأمر كان مقصوداً وليس من باب ‏الاستعجال كما كان التبرير‎.‎
ثالثاً: ان شمول المرسوم أسماء رجال الأعمال والمتمولين السوريين وغيرهم من جنسيات أخرى هدف الى التهيئة ‏لمرحلة إعادة إعمار سوريا من خلال تفعيل الاتصال بهؤلاء والدخول في مشاركات معهم، وهو ما يعتبر أيضاً ‏التفافاً على حلفاء سوريا الأصليين الذين يحضرون أنفسهم لتلك المرحلة‎.‎

وأكد المصدر المطلع أن هذه الأمور وغيرها دفعت الثنائي الشيعي الى اعتراض تدريجي لم يرد له ان ينطلق عبر ‏محطات أو صحف قريبة منه أو محسوبة عليه، لذا عمد الى تسريب الخبر قبل أن يتلقفه الثنائي وغيره ويصبح ‏مادة اعلامية أساسية‎.‎
وأدى المرسوم الى تداعيات كثيرة أبرزها الآتي‎:‎

‎1- ‎عدم التمكن من المضي به من دون إعادة النظر فيه على رغم توقيع رئيسي الجمهورية والحكومة عليه‎.‎

‎2- ‎احالته على الأمن العام والتشكيك في قدرة شعبة المعلومات على اعداد الملفات بعدما سرّب أن البحث في ‏الأسماء تم عبر محرّك البحث “غوغل‎”.‎

‎3- ‎التشكيك في صدقية الموقعين عليه والمعنيين به واتهامهم بالرشى أو بتحقيق منافع خاصة من خلاله‎.‎

‎4- ‎انقسام الرأي العام اللبناني بين مؤيّد ومعارض وضمن تقسيمات طائفية ومذهبية‎.‎

‎5- ‎أعاد المرسوم إشعال فتيل الانفجار في العلاقة بين الرئيس نبيه بري والوزير جبران باسيل على رغم التزام ‏الأخير الصمت وعدم الدخول في جدالات‎.‎

‎6- ‎فتح ملفات التجنيس الأخرى الموازية لعدد من المستحقين وجعلهم في مواجهة مع فريق رئيس الجمهورية، وهو ‏ما حمل الوزير علي حسن خليل على تغريدته الأخيرة في هذا المجال‎.‎

‎7- ‎إحراج رئيس الوزراء سعد الحريري في ملف تجنيس أولاد اللبنانيات المتزوجات بأجانب بعدما وعد بمتابعته ‏أكثر من مرة، وأيضاً في ملف أبناء وادي خالد المؤيدين لـ”تيار المستقبل‎”.‎

‎8- ‎حشر الرئيس وفريقه في الموضوع الطائفي بسبب المطالبة بأبناء القرى السبع (الشيعة) وأبناء وادي خالد ‏‏(السنة)، ما سيثير الرأي العام المسيحي المتخوّف من التناقص الديموغرافي‎.‎

هذه التداعيات ستضع رئيس الجمهورية أمام خيارات كلها مرة. أولها التراجع عن الملف وإبطال المرسوم في ‏أساسه، وهو ما سيعتبر انهزاماً وانكساراً ليس من عادة العماد ميشال عون قبوله والرضوخ له‎.‎

ثاني الخيارات: المضي بالمرسوم ومواجهة المطالب التي يمكن أن تتحول كرة ثلج وحركات مطلبية تؤثر على ‏صورة العهد، وتضغط على الحكومة ورئيسها‎.‎

ثالث الخيارات: القيام بتسوية مع الثنائي الشيعي، ان في الحكومة، أو في ملفات أخرى، لضمان مخرج لائق ‏للمرسوم. لكن الحل ليس سهلاً لأنه يتطلب تنازلات غير واضحة المعالم الى اليوم، ولن يكون الا في مقدور ‏‏”حزب الله” الدخول على الخط لايجاد تسوية بين الافرقاء. وهو امر سيحرج الرئاستين الاولى والثالثة أيضاً‎.‎

الحكومة
حكومياً، لم يطرأ أي جديد على عملية التأليف وقي لقائهما اجرى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مساء السبت ‏عرضاً سريعاً لأبرز ما بلغته الاتصالات التي يجريها رئيس الوزراء المكلف سواء مباشرة أو عبر الوزير ‏غطاس خوري‎.‎

ووفق المعطيات المتوافرة من مصادر اللقاء ان الكلام تناول صيغاً أولية للحكومة وأفكاراً طرحها الرئيس ‏الحريري الذي يتابع اتصالاته. ويندرج في هذا الإطار لقاء الوزير غطاس خوري والوزير ملحم الرياشي للبحث ‏في مطالب “القوات اللبنانية”، كما سيكون هناك لقاء بعد عودة النائب السابق وليد جنبلاط من السعودية للبحث في ‏مطالبه. وتفيد المعلومات ان لا شيء محسوماً او محدداً بعد بل ثمة أفكار قيد التداول‎.‎