موازنة سنة ٢٠١٨… ما عليها وما لها (بقلم رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان)

وأخيراً،

بعد نشر موازنة 2018 التي تناولها الكثيرون بالنقد والتجريح، لا سيما في موسم الانتخابات، والكل يحاول، بأي ثمن، وحتى عن طريق التعرض لكرامات الآخرين وإلصاق التهم الباطلة بهم، أن يكسب شعبية قد تسعفه في معركته فيرفع عدد أصواته التفضيلية، ويلج إلى عالم التشريع والرقابة حيث اعتاد أن ينام على أدراج مجلسه من أجل إنجاز مشروع قانون انتخابات عتيد.

 

لم أكن في وارد الكتابة عن مشروع موازنة سنة 2018، لأنها ليست الموازنة التي إليها يطمح الراغبون والعاملون بجد في سبيل تطوير المالية العامة وتأمين انتظامها، إلاّ أن ما تعرضت له هذه الموازنة من تجريح لدوافع رخيصة، دفعني إلى بيان ما عليها وما لها، تنويراً للقارئ الكريم من جهة، وإسهاماً في إرساء ثقافة النقد البنّاء، لعلها تؤدي إلى التغيير المرجو على صعيدي إعداد الموازنة في الحكومة ودرسها وإقرارها في المجلس النيابي.

 

1- أسارع في البداية إلى القول إن قانون الموازنة ليس مجالاً للتشريع، إلا في ما يتعلق بتنفيذ الموازنة مباشرة وبصورة حصرية كما تقضي أحكام المادة الخامسة من قانون المحاسبة العمومية. ولهذه الجهة يؤخذ على قانون موازنة العام 2018 الذي تضمّن تسعاً وخمسين مادة، أنه كان مجالاً للتشريع بنسبة 80% (ثمانين بالمائة) من مواده على الأقل.

 

2- ولما كان من المتفق عليه أن هذا الكم من المواد يتطلب وقتاً أطول من الوقت الذي خصص لدرسه ومناقشته وإقراره، سواء من الحكومة (في اللجنة الوزارية أو في مجلس الوزراء)، أو من المجلس النيابي (في لجنة المال والموازنة أو في الهيئة العامة)، فيمكن القول ان مشروع قانون الموازنة وتخصيص اعتماداتها أعدا على عجل، ودرسا ونوقشا وأقرّا بسرعة قد تصل إلى حد التسرّع.

 

3- لقد تضمن قانون الموازنة منح مهل جديدة للإعفاء من الغرامات الناتجة من مخالفة القوانين المالية، سواء العائد منها للدولة أو للبلديات أو للضمان الاجتماعي، لا سيما بعد انقضاء أقل من شهر على انتهاء مهل منحت بموجب قانون موازنة العام 2017، ولمدة أطول (ستة أشهر مقابل أربعة أشهر)، وبنسبة أعلى (90% مقابل 85%)، مما يشجع المخالفين على التمادي في مخالفة القوانين المالية، ويحبط المكلفين المنضبطين والملتزمين بتأدية الضرائب والرسوم ضمن المهل القانونية. وكم كان أفضل لو جاء الإعفاء بنسبة 100% ولمرة أخيرة، لأن هذه النسبة هي التي سينتظرها المخالفون بعدما ارتفعت النسبة من 85% إلى 90%، وهي التي سيحصلون عليها في نهاية المطاف.

 

4- أجاز قانون موازنة سنة 2018، للمكلفين المكتومين وللمكلفين غير المنضبطين، إجراء تسوية على ضريبة الدخل المتوجبة عليهم عن سنوات سابقة لغاية آخر العام 2016، بحجة تلافي سقوطها بمرور الزمن لعدم قدرة الإدارة الضريبية على درس ملفات المكلفين ضمن المهل المحددة لمرور الزمن.

 

5- كما تضمن قانون موازنة سنة 2018 تعديلاً لبعض نصوص قوانين ضريبية، لا سيما قانون الضريبة على القيمة المضافة وضريبة الأملاك المبنية، من دون تلمس أي رؤية تبرر التعديلات التي أجريت، كما تقضي الأصول في وضع الأنظمة الضريبية وتعديلها لتحقق أهدافاً اقتصادية واجتماعية ومالية من ضمن رؤية شاملة لكل نظام ضريبي.

 

إلا أن المآخذ التي أشرت إليها أعلاه على موازنة سنة 2018 يجب أن لا تحجب إيجابيات عديدة تميّزت بها هذه الموازنة قياساً بالموازنات التي أقرت منذ تسعينيات القرن الماضي:

 

1- فهي لم تتضمّن فرض ضرائب جديدة أو رفع معدلات الضرائب والرسوم النافذة، في حين حفلت الموازنات السابقة، بما فيها موازنة العام 2017، بفرض ضرائب جديدة أو برفع معدلات ضرائب قائمة. وهذه إيجابية تسجل لموازنة العام 2018 التي راعت الحكومة عند وضعها توصيات عديدة صدرت عن لجنة المال والموازنة البرلمانية لهذه الغاية.

 

2- وهي لم تتضمن سوى قانون برنامج وحيد، جرى تعديله بحيث يقتضي العودة إلى المجلس النيابي في كل تفصيل يتعلق به، مما يعني أن قانون البرنامج هذا أصبح بمثابة إجازة مع وقف التنفيذ. وهذه إيجابية تسجل لموازنة سنة 2018 التي راعت الحكومة عند وضعها توصيات عديدة صدرت عن لجنة المال والموازنة البرلمانية لهذه الغاية أيضاً.

 

3- وبعدما كانت إجازة الاقتراض مفتوحة لتشمل عجز الموازنة والخزينة أيضاً، وضعت موازنة سنة 2018 سقفاً للعجز المجاز الاقتراض لتغطيته، مما يقتضي، في حال الاضطرار إلى تجاوز هذا السقف، العودة إلى المجلس النيابي لتعديل هذه الإجازة، أي بمعنى آخر للحصول على إجازة جديدة مع تبرير الزيادة.

 

4- وبعدما كانت الهبات والقروض الواردة من جهات خارجية تنفق منذ العام 1999 من دون رقابة من ديوان المحاسبة، بما في ذلك القسم العائد للتمويل المحلي المقابل لها، أعادت موازنة سنة 2018 هذا الإنفاق إلى كنف القانون وأخضعته لرقابة ديوان المحاسبة وفقاً للأصول. وهذه إيجابية تسجل لموازنة 2018 بعد ضياع حسابياً هبات تفوق قيمتها الخمسة مليارات دولار أميركي شكلت احد العوائق أمام انجاز الحسابات المالية.

 

5- وفي حين ظنّ الكثيرون أن موازنة العام 2017 هي الموازنة الأولى والأخيرة بعد انقطاع دام اثنتي عشرة سنة، فإذا بموازنة سنة 2018 تخيّب ظن هؤلاء، مما يؤشر على بدء عودة انتظام المالية العامة الذي يؤمل أن يكلل لاحقاً بانتظام تقديم الحسابات المالية السنوية، فيتلازم مبدأ التشريع البرلماني المالي، بإقرار الموازنة، ومبدأ الرقابة البرلمانية المالية، بإقرار الحسابات المالية السنوية.

 

كانت هذه لمحة عامة عما لموازنة سنة 2018 من إيجابيات وما عليها من مآخذ يؤمل البناء على الأولى وتلافي الثانية في إعداد الموازنات اللاحقة ودرسها وإقرارها لكي نرفع عن لبنان لقب جمهورية الموز على حد وصف العديد من الخبراء الماليين له منذ منتصف العقد الماضي.

النهار